آراء

تزاوج السياسة والرياضة ما بين تاريخ حافل وشواهد مونديال روسيا 2018

علاقة وثيقة..

21 ديسمبر 2018

قد يبدوان للوهلة الأولى أنهما متباعدان، فرجال السياسة يرتدون البزات الرسمية، يتّبعون البروتوكولات في السير، المأكل، الحديث، والتحية، ويظهرون بمظهر حاد قليلًا خالٍ من المشاعر، أما أولئك الرياضيون فهم أقل تعقيدًا وأكثر تلقائية مدربين كانوا أو إداريين وحتّى اللاعبون، مشاعرهم تطغى على الأفعال والأداء بشكل مُفرط، بالجوهر أو المظهر فإن كليهما يتنافران مثل قطبي المغناطيس.

ولأن الوهلة لا تدوم سوى لأجزاء من الثانية قبل أن تنكشف الحقيقة، فإن ما كُتب أعلاه يبدو منطقيًا وفي ظاهره صحيحًا، لكن ماهو قائم بالفعل على أرض الواقع جاء مضادًا، فالرجال مختلفو الخصال والسمات (السياسيون والرياضيون) لم يمنعهم التباين من تزاوج مجاليهما، فهي الشراكة الأنجح على الإطلاق والأكثر تشابكًا وتغلغلًا في المجتمعات، هما وجهان لعملة واحدة، الكثير من الأحداث الرياضية يتم استغلالها سياسيًا، وأحداث سياسية أو اجتماعية جمة أثّرت الرياضة فيها بشكل لا يُصدق.

"الفوز بمباراة كرة قدم دولية أهم من السيطرة على أحدى المُدن" هكذا أرسى باول جوزيف غوبر وزير الإعلام بحكومة هتلر، دعائم أهمية كرة القدم بالنسبة للنظام النازي الذي استخدم الرياضة بشكل عام من اجل الترويج لأفكار الرايخ، أمّا موسوليني فقد اعتبر فوز بلاده بمونديالي 1934، 1938 بمثابة دعاية ضخمة للدولة الفاشية، وحرص على التواجد مع لاعبي المنتخب الإيطالي بانتظام بل وحضر جميع المباريات، فيما لعبت الرياضة دورًا بارزًا في الحرب الباردة بين الولايات المتحدة وروسيا من خلال الألعاب الأولمبية، "هذه الحرب لا يمكن أن تضاهي مدى التنافسية في ملاعب كرة القدم" السيناتور الأميريكي ويليام فولبرايت واصفًا علو شأن كرة القدم عن حرب الميادين بين البلدين.

أولمبياد برلين 1930 ويُلاحظ التحية النازية

الفوز بالبطولات العالمية كان له أثر واضح في تثبيت بعض الأنظمة السياسية لحكمها، فمثلًا النظام العسكري بالبرازيل والذي استولى على السلطة عام 1964 اتخذ من تتويج السامبا بمونديال 1970 أداة لقياس مدى نجاح الدولة تحت حكمهم، كما كان لفوز الأرجنتين ضد إنكلترا بمونديال 1986 ضربة قوية وانتصارٍ على العشب الأخضر عوضًا عن هزيمة حرب الفوكلاند بين البلدين، أمّا (حرب المائة ساعة) بين السلفادور وهندوراس فقد اندلعت بعد احتدام العلاقات بين الجماهير قبل إحدى المباريات بتصفيات مونديال 1970 وهو ما استغله النظامان بالبلدين لبدء الحرب.

إقرأ أيضًا.. 
من رحم المونديال يولد النجوم
مجنسون نادمون.. الحرمان من كأس العالم
محطات تاريخية للعرب في كأس العالم
ظواهر وأرقام قياسية من الجولة الأولى بكأس العالم

حديثًا، فإن مساعي سكان إقليم كاتالونيا للانفصال عن السيادة الإسبانية كان الداعم الأكبر له هو فريق برشلونة، وهو ما أكسب الأمر انتشارًا على نطاق واسع عالميًا بسبب شهرة لاعبي البلاوغرانا.

قوة التحالف السياسي بين الولايات المتحدة الأمريكية والسعودية حال دون تصويت الأخيرة لصالح المغرب لاستضافة مونديال 2026.

مَن مِنا لا يتذكر كيف كانت ستسبب مباراة كرة القدم بين مصر والجزائر بحرب بين الشعبين عام 2009.

ميسي بدوره كان له كلمة في إرجاء ودية الأرجنتين ضد الكيان الصهيوني وبالتأكيد فإن الدافع كان الممارسات الوحشية ضد الفلسيطينيين، التأييد الكبير الذي أظهرته جماهير سيلتيك الاسكتلندي للقضية الفلسطينية جعل منهم أبطالًا بنظر العرب.

دعوات انفصال إقليم كاتالونيا عن إسبانيا اتخذ من ملعب كامب نو مسرحًا له

التأثير الكبير للرياضة بشكل عام في الحياة، جعل العالم بأسره ينظر إلى حادث طائرة فريق شابيكوينسي البرازيلي ديسمبر 2016 على أنها خسارة لكرة القدم مُظهرين تعازيهم الحارة للفريق ضاربين بالصحفيين، طاقم طائرة، والأطّباء الذين لقوا حتفهم عرض الحائط، فالأولوية في المشاعر باتت لكرة القدم، لمجرد كونك لاعبًا لكرة القدم فقط، أما الآخرون فكانت المشاعر والتعاطف أقل بشكل كبير، وفي الغالب لم ينبس أحدهم ببنت شفة تجاههم.

في كثير من الأحيان يكون للرياضي شأن عن السياسي، كما حدث مثلًا من ديديه دروغبا عندما خطب في شعب كوت ديفوار 2006 مُطالبًا إياهم بوقف الحرب الأهلية والمعارك الدامية التي استمرت لخمس سنوات، نجم تشيلسي المتوّج وقتئذ بجائزة افضل لاعب أفريقي ذهب لمقر الانقلابيين عقب التأهل لمونديال ألمانيا ودعا الجميع للتكاتف، وهو ما تحقق بالفعل بعدما فشلت كل أصوات رجال الساسة في حلها.

بيليه فعل الأمر ذاته عندما ساهم في تهدئة الحرب الأهلية بين نيجيريا ودولة بيافرا الانفصالية عام 1969 حيث سافر للاجوس وشارك مع فريقه سانتوس بمباراتين ضد فريقين محليين، مجلة تايم الأميركية وصفت الأمر بـ "كانت كرة القدم حينها أكثر أهمية من الحرب".

أدّت جهود دروغبا إلى وقف الحرب الأهلية في كوت ديفوار مستغلًا تأهل منتخب بلادهم لكأس العالم كحدث يُنسيهم الحرب.

أحد أهم الأمثلة على التزاوج الثلاثي بين الرياضة والسياسة والاقتصاد هو البرازيلي غواو هافيلانغ رئيس الفيفا الأسبق، والذي اتحد مع هورست داسلر نجل مؤسس شركة "أديداس" بالسبعينات من أجل تمويل الفيفا وتحقيق مطامع هورست الشخصية عبر إعطائه حقوق الترويج وصناعة الملابس الرياضية بشكل عبثي فاسد عن طريق شركة ""ISL، هافيلانج وهورست تمكنا من صنع ثروات هائلة من سرقة أموال الفيفا عبر اللعب ببنود العقود والرشاوي، كما وطّد من علاقاته بزعماء أمريكا اللاتينية السياسيين والذين دعموه بشكل كبير.

لنترك التاريخ القديم والحديث جانبًا الآن، ولنتوجه صوب فاعليات مونديال روسيا 2018، والذي شهد على عدة أمور سياسية وجب إلقاء الضوء عليها..



(دعاية سياسية واستغلال فاضح)



انتهز الرئيس الشيشاني رمضان قاديروف فرصة تأهل المنتخب المصري لكرة القدم إلى نهائيات كأس العالم روسيا 2018، ليتواصل مع إداريي الفراعنة من أجل جعل عاصمة إقليم الشيشان مقرًا للمصريين بروسيا، وبعد مفاوضات عبر وكلاء قاديروف تم الاتفاق ووقع الاختيار على غروزني، الكثير من المنظمات الحقوقية وعلى رأسها "هيومن رايتس ووتش" إضافة إلى رئيس الفيفا جيان إينفانتينو رفضوا الأمر بحجة عزل غروزني التي شهدت أراضيها جرائم حرب ضد الإنسانية.

قاديروف (على اليسار) رفقة محمد صلاح

قاديروف والذي عيّنه بوتين عام 2007 كان قد أعاد بناء غروزني بدعم من الكرملين بعد تدميرها، ويُعتبر المساعد الأيمن للرئيس الروسي وقد وافق قبل سنوات على إنشاء أول وأكبر فندق بتمويل أجنبي في الشيشان برأس مال من الحكومة الأماراتية ويُدعى "لوكال" وهو الآن مقر بعثة مصر، قاديروف فيما بعد اشترى خيولًا تسابقت في المسابقات الدولية بدبي كما قام بزيارات للشرق الأوسط لتوطيد العلاقات مع حكّامها، وها هو الآن يهدف لتحسين صورته عبر نجم عالمي بقيمة محمد صلاح، بمنحه المواطنة الشرفية والتي جعلت صورهما تتصدر أغلفة المجلات والجرائد.

قاديروف قاد عملية التعاقد مع رود غوليت ليكون مدربًا لفريق تيريك غروزني عام 2011 بعد صعوده للدوري الروسي

ومن المتعارف عليه أنه سياسيًا تتمتع دول مصر روسيا والإمارات بعلاقة قوية، الأمر الذي يفسر اختيار مدينة غروزني، فندق لوكال، وأيضًا دعوة قاديروف لصلاح ومنحه المواطنة.. فيما يبدو أن إدارة المنتخب المصري قررت تفضيل السياسة على الرياضة ووقع اختيارها على مدينة نائية بالشمال جعلت من مصر أكثر منتخب يتنقل من بين المنتخبات الـ 32، وهو ما زاد الإرهاق وعناء السفر، غير مُبالين بما يحدث للاعبين، الأهم هو رجال الساسة.

بالأرقام.. منتخب مصر هو الأكثر قطعًا للمسافات بين كل المنتخبات

أمّا صلاح نفسه فلم يكن على دراية بكل هذه الأمور، وقد أكدت المصادر المقربة من اللاعب أن الأمور في المعسكر المصري سيئة للغاية وربما يتجه للاعتزال الدولي بعد استنكار الصحف الإنكليزية له كون قاديروف مُدان بجرائم حرب، ومن قبل كانت للحكومة المصرية مواقف سلبية تجاه اللاعب كأزمة الرعاة الشهيرة، وإقحامه في التبرع لصندوق "تحيا مصر".

صلاح وعلى ما يبدو فإنه لم يكن جاهزًا كفاية للبدء ضد روسيا وهو ما اتضح خلال تحركاته وطريقة لعبه الحذرة للغاية، وهي أيضًا تُضاف لسجل المواقف التي تنتقص من حق اللاعب.



(جلد مدّور أقوى من الصواريخ)



تتبنى بعض الأمم الحرب النفسية والأخلاقية معتبرة إياها أكثر قوة من الصواريخ والقنابل، فهدم الأفكار والمعتقدات يكون تأثيره أكثر من القتل، أما في كرة القدم فبإمكانك اغتيال شعب كامل بتصويبة تعانق الشباك، هذا هو ما فعله مارادونا بمونديال المكسيك 1986 عندما أحرز هدفين مثيرين للجدل يد الرب وهدف القرن ضد إنكلترا وحارسها الأسطورة بيتر شيلتون، الأمر الذي اعتبره الأرجنتينيون انتصارًا وتعويضًا عن الهزيمة بحرب الفوكلاند ضد الإنكليز، تلك الحرب التي حرمت دييغو من الانتقال لليفربول بالمناسبة.

شاكيري وتشاكا مُحتلفين على الطريقة الألبانية

حديثًا فإن المعارك الضارية والتطهير العرقي الذي شنه الصرب ضد مسلمي كوسوفو وألبانيا قبل عقود، لا زالت أوصاله ممتده حتّى اليوم، ففي تصفيات يورو 2016 بالعاصمة الصربية بلغراد، جرت مباراة الجولة الثالثة بين صربيا وألبانيا والتي تحولت فيما بعد لعراك قوي كاد ينتهي بمجزرة بين الجماهير، بعدما ربط أحد الأنصار علم ألبانيا بطائرة تحكم عن بُعد أمسكها ميتروفيتش لاعب صربيا وقام بتمزيقها على أرض الميدان وحدث ما حدث بعدها.

وفي مونديال روسيا 2018، قتل ثنائي المنتخب السويسري ذوي الأصول الألبانية شيردان شاكيري وغرانيت تشاكا، المنتخب الصربي وهزموه شر هزيمة بعدما دوّنا على هدفي سويسرا وبعدما كان الصرب متقدمين بهدف نظيف، كلا اللاعبين احتفلا بتداخل ذراعيهما في إشارة إلى النسر الأسود المرسوم على العلم الألباني، ومع الانفعالات المجنونة لشاكيري وتشاكا في الاحتفال وتجسيد النسر فإن الرسالة التي وجهها كلا اللاعبين هي "نحن ننتقم"، الأمر الذي اثار حفيظة الجماهير الصربية وجنّ جنون مدربهم ملادن كرستايك.

تغريدة رئيس كوسوفو هاشم تاتشي عقب المباراة!

اللاعبان لم ينسيا أصولهما وما عاناه أسرتيهما من التهجير والسجن وخلافه من أمور الحرب، فوالد تشاكا مثلًا تم الزج به في السجون الصربية لثلاث سنوات ونصف، تشاكا قال عقب المباراة "إنه انتصار لأسرتي ولسويسرا ولألبانيا ولكوسوفو"، لغرانيت شقيق يُدعى تولانت وهو يلعب لمنتخب ألبانيا، أمّا شاكيري فيحرص دومًا على اقتناء علم كوسوفو (95% من الكوسوفيين هم ألبان الأصل) وبعد تتويجه بأبطال أوروبا مع بايرن ميونيخ 2013 رفع شاكيري علم كوسوفو بجانب الكأس، ويبدو أنه أخيرًا وجد ضالته في الانتقام.



(إفراج مشروط)



تدوالت وسائل أنباء عالمية صورة نجم منتخب كوريا الجنوبية هيونغ سون مين، مُنهمرًا في البكاء عقب الخسارة ضد المكسيك بالجولة الثانية للمجموعة الخامسة بالدور الأول للبطولة، اللاعب البالغ من العمر 25 عامًا في طريقه لإنهاء مسيرته الكروية في أوجها، والسبب هو قوة القانون الكوري والذي سيجبره على أداء خدمة التجنيد، ولا سبيل في التراجع عن ذلك إلا بشروط.

سون انهمر في البكاء بعد إطلاق الصافرة وحتّى بعد الدخول لغرف خلع الملابس

فالقانون المعمول به في البلاد ينص على إعفاء الرياضيين البارزين والذين يشرّفون كوريا الجنوبية بالمحافل الدولية من أداء خدمة التجنيد قبل بلوغ سن الثامنة والعشرين وتعويضه بأربعة أسابيع تدريب أساسي كما حدث مع المنتخب المتوّج بالمركز الرابع بمونديال 2002، وهو ما يعني أن أمام سون ثلاث سنوات لتحقيق إنجاز رفقة النمور، ولحسن حظه فإن السنوات الثلاث المقبلة ستشهد دورة الألعاب الآسيوية جاكرتا 2017، كأس أمم آسيا الإمارات 2019، ودورة الألعاب الأولمبية طوكيو 2020.

التباين في البطولات رادفه تباين في ألوان الميداليات، فتحقيق ميدالية ذهبية في دورة الألعاب الآسيوية أو كأس العالم هو الشرط الوحيد للإعفاء (2002 كان استثناءً)، أما بدورة الألعاب الأولمبية فإن تحقيق أي ميدالية برونزية كانت او فضّية ستكون كافية، وسيغيب الجناح المتميز عن انطلاقه فريقه توتنهام هوتسبير بالدوري الإنكليزي الممتاز لسفره إلى جاكرتا منتصف أغسطس المقبل في مهمة الذهب وإنقاذ مسيرته، لا سيما أن تحقيق ميداليات بكأس أمم آسيا أو الأولمبياد صعب المراس نظريًا.


لمتابعة الكاتب عبر فيسبوك "Muhammed A. Abu-Elwafa"


صلاح "الغطاس".. قصة الخبث الكبرى
تشافي يلفت أنظار مسؤولي برشلونة الى ظهير بايرن ميونيخ
سوريا ورحلة السقوط الآسيوي الذي بدأ قبل 11 عاماً!
شارك غرد بريد

في هذا المقال