تكتيك لوبيتيجي.. ولأنها بالعقل والقلب معًا أفضل

يخبرونا أن كرة القدم تُلعب بالعقل، والأقدام ما هي إلا أدوات، ومن ثم يتحدثون عن فائدة اللعب بالقلب وكيف تتفوق الروح على أعتى الخطط والتكتيكات، حالة وجود منطق ومنطق آخر حتى وإن لم يتعارض معه هي حالة مثالية من أجل اختلاق مقارنة محببة للجماهير، ليتم صياغة سؤال "من أفضل؟" وانتظار إجابة تحمل اسمًا واحدًا لتحسم الأمر، وما دون ذلك سيعتبر عبثًا لأن الجماهير لا تحب سماع أكثر من كلمة واحدة كإجابة على أسئلتها.


السؤال هنا سيكون حول الأفضل أهو المدرب صاحب الفكر والتكتيك أم صاحب الخطاب الحماسي والقادر على صناعة علاقة صداقة مع لاعبيه، رُبما لم يستطع مدرب من هؤلاء الموجودين على الساحة الجمع بين هذا وذاك فكان هذا سببًا لوضع الأمور في كفتين والمطالبة بترجيح إحداهما، على الرغم من أنه في حال إعادة الأمور إلى نصابها فإنها ستبدو خالية من التعارض.


إذًا بعد ذلك، ما رأيك في مدرب قضى أربعة أعوام مدربًا لمنتخب الشباب في إسبانيا بين فريق 19 و 21 عامًا، ومن ثم تولى بعدها بعامين تدريب منتخب إسبانيا مع قوام أساسي من هؤلاء اللاعبين الذين شكلوا القوام الأساسي لمنتخبات الشباب تلك؟ ما رأيك في رجل بشخصية حماسية وليست صدامية، يكون علاقة صداقة مع نصف قوامك الأساسي، وفي نفس الوقت هو أحد أفضل تجار كرة القدم الهجومية في الفترة الأخيرة، ألن تكون الأمور أفضل بلا تعارض بين التكتيك والخطاب الحماسي؟ أليست أفضل بالقلب والعقل معًا؟


إقرأ أيضًا: انقلاب هاري كين.. كيف تتحول ذاتياً إلى ماكينة أرقام!



من لوبيتيجي؟

قبل الحديث عن تفاصيل أي شيء في كرة القدم ستجد نفسك مطالبًا بالرد المسبق على جماهير مواقع التواصل الاجتماعي أولًا، ومن ثم تبدأ الحديث فيما تريد، ولذلك وجب التنويه أن خولين لوبيتيجي هو رجل فائز بكأس الأمم الأوروبية للشباب مع منتخب إسبانيا في 2013 وصاحب حقبة متميزة مع بورتو، والرجل الذي وضع حجر الأساس لمنتخب لاروخا قبل إقالته قبل مونديال روسيا التي جاءت على إثر إعلان تعاقده مع ريال مدريد بدون إبلاغ الاتحاد الإسباني.


هذا ما تذكره الإحصائيات للرجل ولغيره، وهو أيضًا الجانب الذي تهتم به أغلب الجماهير، أما في الحقيقة فهناك شيء ما أهم في تقييم المدرب على وجه التحديد وهو تفاصيل ما يقدمه والشكل الذي يلعب به وإمكانية ملائمته للفريق وطريقة تعامله مع اللاعبين وما إلى ذلك، ألم يكن جوارديولا مثلا عبارة عن صفر بمقاييس الإحصائيات وما يذكره التاريخ قبل أيام من بدء أفضل حقبة في تاريخ كرة القدم الحديثة مع برشلونة؟


لا نستطيع شم رائحة المستقبل ولا تخمين القدر، ومن السذاجة أن يخبرك أحدهم باحتمالية نجاح شيء ما لم يجرب بعد من عدمها، ومن السذاجة أن تهتم لما يقول كذلك، ليس من المنطق أن نتحدث عن ماذا سيحدث في نهاية الموسم المقبل وإلى متى ستمتد فترة خولين في سانتياجو بيرنابيو، الحديث سينصب فقط على نظرة مدرب لكرة القدم وأسلوب اعتاد اللعب به لمعرفة كيف سيتم تطبيقه خلال التجربة الجديدة، وتلك هي أحد البديهيات التي وجب توضيحها أيضًا لجمهور مواقع التواصل الاجتماعي بالمناسبة.


الخطة

تدور في الأساس طريقة لعب لوبيتيجي حول خطتي 4/3/3 و 4/5/1، الأولى يرسمها على الورق والثانية هي التي تظهر أثناء المباريات غالبًا، اعتمادًا على تطويعها للاستحواذ والسيطرة على الكرة والتحرك بالتمريرات القصيرة والطولية بدرجة أقل من أجل الوصول إلى المرمى وكسر خطوط الخصم، مع الحفاظ على التقارب بين خطوطه أثناء فعل ذلك.


حارس وأربعة مدافعين بشكل تقليدي، غير التقليدي يبدأ من وسط الملعب بثلاثي الوسط الذي يتحول إلى خماسي بانضمام الجناحين، وهما بالمناسبة نصف أجنحة ونصف صناع لعب، مع حرية تبادل المراكز بينهما وبين صانع الألعاب الذي يشبههما غالبًا في كونه نصف صانع ألعاب أيضًا، كل هذا خلف مهاجم لا ينحصر دوره فقط داخل منطقة الجزاء.


الفريق لا يترك الكرة للخصم، حتى في حال تم افتكاكها منه يقوم بمحاولة استعادتها بالضغط من الأمام، ومن ثم الاعتماد على دفاع "رجل لرجل" في حال لم تكلل محاولات الاستعادة المبكرة بالنجاح.


من المرمى إلى المرمى

تبدأ الكرة من خط الدفاع، هنا يتحول مثلث وسط الملعب إلى مثلث مقلوب ومن ثم يعود إلى وضعه الطبيعي، لاعب الارتكاز ــ كاسيميرو ــ يصعد للأمام لتفادي وضع حمل الخروج بالكرة على من لا يجيد الاحتفاظ بها تحت ضغط، يتحرك لاعبا الوسط الأماميين خلفه، يعودان لاستلام الكرة من أجل الخروج بها بتمريرات قصيرة ومن اجل التحكم في انتشار البقية، وبمجرد الوصول إلى وسط الملعب يعود المثلث إلى وضعه الطبيعي ويعود لاعب الارتكاز إلى مكانه أمام الدفاع ويتقدم ثنائي الوسط الآخر لينضم إلى ثنائي النصف اجنحة ونصف صناع لعب.


اللامركزية وتبادل المراكز وحرية الحركة؛ مصطلحات سنسمعها كثيرًا مع لوبيتيجي لذلك وجب التأكيد عليها، بما أن الجناحين يكونان نصف اجنحة ونصف صناع لعب مع وجود صانع ألعاب ــ على الورق ــ إذًا الثلاثي الذي يلعب خلف المهاجم جميعهم يجيد صناعة اللعب، وغالبًا ما يقع الاختيار من خولين على من يجيدون التحرك على الأطراف، في إسبانيا اعتمد لوبيتيجي على إنييستا كصانع ألعاب وسيلفا على اليمين وإيسكو على اليسار، في مدريد سيمتلك إيسكو نفسه، وفي الخيارين الآخرين سيمتلك كلًا من كروس و سيبايوس و أسينسيو وجاريث بيل، بيل بالمناسبة لا يشبه هؤلاء، لكن خولين يريد أن يستفيد من إمكانية دخوله إلى العمق من جهة، ولا يمكنه التخلص من آخر لاعب يمتلك الفاعلية على المرمى بعد رحيل رونالدو من جهة أخرى.


وبالوصول إلى المرمى الآخر يأتي دور المهاجم، بالطبع من البديهيات أنه سيتعين عليه ترجمة تلك الفرص إلى أهداف، ولكن مع لوبيتيجي الأمر لا يتوقف عند ذلك، فهو مشارك بدرجة أقل في عملية تبادل المراكز من أجل السماح للثلاثي الموجود خلفه بالدخول إلى المنطقة، وبالتالي فإن خولين يفضل المهاجم الوهمي عن مهاجم الصندوق، ولهذا لم يستغنِ عن بنزيما ولن يفعل، فقط قد يفكر في حل بديل يجيد ترجمة الفرص بشكل أفضل ليكون هو الحل في حالة كانت الأمور تحتاج إلى من يضع الكرة في الشباك فقط.


العملية الدفاعية

الهجوم خير وسيلة للدفاع، من الممكن ألا تكون قاعدة ثابتة في كرة القدم عامة، ولكنها ثابتة عند البعض ممن يفضلون الكرة الهجومية عن غيرها، لوبيتيجي من بين هؤلاء، الرجل لا يرتاح حين تكون الكرة بين أقدام الخصم، هو يهتم بكسب الاستحواذ بداية ومن ثم يبدأ التفكير في كيفية كسر الخطوط وتنفيذ ما يريد.


في كرة القدم هناك نوعان من الدفاع؛ دفاع المنطقة، ودفاع الرجل لرجل، الأول هو ذلك الذي يعتمد على العودة إلى المناطق الخلفية باكبر عدد ممكن من اللاعبين من أجل صناعة شبكة أمام منطقة الجزاء لمنع احتلالها من الخصم، لاعب فقط أو اثنان يتركان تلك الشبكة ويتقدمان من أجل الضغط على حامل الكرة، عدا ذلك فإنك تكون دائمًا رد فعل فقط، دائمًا تنتظر الخصم أن يصل إليك ولا تغامر بأن تذهب إليه أنت. أما الثانية فهي التي تعتمد على مراقبة رجل لرجل، كل لاعب يتكفل بمراقبة لاعب من الخصم ويتواجد عدد اقل من اللاعبين في المناطق الخلفية بشكل ثابت غالبًا يساوي العدد الذي يتركه الخصم في مناطقه كذلك.


لوبيتيجي من أنصار الدفاع رجل لرجل، إذًا هو لن يقبع في الخلف ويترك للخصم المساحة للضغط عليه، سيبادر هو بالضغط المبكر على حامل الكرة مع غلق زوايا التمرير عن طريق تكليف كل لاعب بمراقبة واحد ممن يحتمل التمرير لهم، في وسط ملعب الخصم يُطبَق الضغط عن طريق "ثلاثي اللامركزية" رفقة المهاجم الذي يعتبر الضغط جزءً لا يتجزأ من مهامه في هذه الخطة، ألا تذكر قصة يورجن كلوب مع بوبي فيرمينو؟


مرحلة جديدة

هو ليس عنوانًا لأن مدربًا جديدًا أتى خلفًا لزيدان، هي مرحلة لم يعتدها ريال مدريد في هذه الألفية، كرة قدم هجومية بحتة مع فكر شبيه لما قامت عليه مرحلة سطوة الغريم، ريال مدريد فاز وخسر وحقق بطولات وتعثر في أخرى ولكنه لم يلعب هذه الكرة من قبل أمام عيون جماهير الحاضر، لذا فالأمر يبدو مشوقًا كقصة سينيمائية جديدة من نوعها يتأهب الجمهور لمعرفة كيف ستكتب نهايتها.


الأهداف في هذه المرحلة أيضًا جديدة، دوري أبطال أوروبا لم يعد هاجسًا بعدما أصبح الفوز به اعتياديًا، السيطرة المحلية هنا ستأتي في المقام الأول، الجميع في مدريد لا يستطيع تقبل كون برشلونة بطلًا لسبع نسخ من آخر عشرٍ لُعبوا من الدوري الإسباني، بالإضافة إلى كون كرة القدم الجميلة بعد التحرر من هواجس دوري الأبطال أصبحت مطلبًا كذلك.


رحل زيدان وجاء لوبيتيجي، رحل كرستيانو رونالدو إلى يوفنتوس، الأمر في ظاهره مخيف ولكن بتمحيصه يبدو ليس بتلك الكارثية، وجود رونالدو كان يمنح أشياءً ويحرم من أخرى، ورحيله سيمنح أشياءً ويحرم من أخرى أيضًا، ولكن ما يحرمك منه الرحيل يمكن تعويضه أما العكس فلم يكن ممكنًا، وختامًا لقصة زيدان، فقد رحل مدرب أفضل من لوبيتيجي على المستوى النفسي، ولكن ذلك لا ينفي ان لوبيتيجي يجيد هذا الجانب أيضًا حتى لو بدرجة أقل، ولا ينفي أيضًا كون خولين متفوق بمراحل على زيزو تكتيكيًا، زيزو الذي اعترف بأنه ليس الأفضل تكتيكيًا ولكنه يمتلك أشياءً أخرى، واعترف أيضًا أن الأمور أصبحت في حاجة لخطاب جديد، وحين ياتي خطاب حماسي ممزوجًا بتكتيك وفكر متطور، هنا يجب الاعتراف بأن الأمور بالعقل والقلب معًا دومًا تكون أفضل.


شارك غرد شارك

في هذا المقال