خارج الصندوق: نساء "ليون".. قصة مشروع سيغيّر معالم الكرة

عند الحديث عن ناديين بحجم ريال مدريد، برشلونة، ميلان أو مانشستر يونايتد فإننا نخوض في غمار أفضل الأندية في العالم، أندية تضم "الأفضل" ووصلت الى ما لم تصل إليه محلياً وأوروبياً معظم الأندية المنافسة، لكن برغم كل هذا التاريخ إلا أن صحيفة نيويورك تايمز الرائدة عالمياً اختارت أن تصف نادي "ليون النسائي" بأنه أفضل الأندية في العالم متفوقاً على كل هؤلاء، داعمة وصفها بأرقام ربما تظن للوهلة الأولى أنك تخوض وأنت تقراها في مقال ساخر وأرقام مفبركة من سلسلة نُكات كروية، الى أن تأخذك الأرقام الى حقائق مذهلة عن هذا النادي بشقه النسوي. 

يتصدّر ليون مشهد الكرة النسائية والكرة العالمية ككُل اليوم لعدة أسباب، أبرزها تحقيقه لقب دوري أبطال أوروبا للنساء على حساب برشلونة بنتيجة عريضة (4-1)، ليست مفاجئة أبداً كون البلاوغرانا النسائي كان الفريق الضعف، وفعلياً، كل الأندية النسائية هي "الحلقة الأضعف أمام ليون، والسبب الثاني هو نجمة الفريق آدا هيغيربيرغ، صاحبة الكرة الذهبية 2018، وذلك بسبب تسجيلها ثلاثية (هاتريك) في 16 دقيقة فقط، لتصل إلى رقم فيرينتس بوشكاش عام 1960 امام اتلتيك بيلباو. 

إقرأ/ي ايضاً: خارج الصندوق: مستقبل كرة القدم.. "مؤنّث"


ليست هذه الأرقام هي التي تجعل هذا النادي هو "الأنجح" في العالم، تأملوا ما يلي جيداً: ليون النسائي فاز بلقب الدوري الفرنسي 13 موسماً على التوالي، خسروا مباراتين فقط مع فارق أهداف +957 عن المنافسين، هذا ليس خطأ مطبعي، الرقم هو تسعمائة و سبعة وخمسون هدفاً. 

أما الأمر الذي دفع بوصفهم بـ"أنجح فريق في العالم" هو النجاحات المتتالية محلياً وأوروبياً، فإذا ما قورِنََ ببرشلونة على سبيل المثال، فالنادي الكتلوني استطاع حصد 8 ألقاب ليغا في 11 عاماً لكن لم يُحققوا لقب دوري الأبطال من  موسم 2015 أما ليون حقق 13 من 13 و 4 ألقاب أبطال على التوالي، اما ريال مدريد الذي سجّل أكبر إنجاز أوروبي (3 ألقاب متتالية) فأيضاً ليون متفوق عليه بـ4 على التوالي + نجاح محليّ يسعى اليه مدريد بكل ما أوتي من مدربين. 

والجدير بالذكر ايضاً ان نساء ليون وصلن الى 8 من آخر 10 نهائيات دوري أبطال أوروبا وحققن 6 القاب. 

طبعاً بعد ذكر هذه الارقام، لا يجب ان نغفل أنه لا يوجد منافس حقيقي لليون النسائي، لكن يجب التوقف كثيراً عند إدارة هذا النادي التي تولي اهتماماً استثنائياً بفريق السيدات، و"الاستثنائي" هنا هو "الطبيعي" الذي يجب ان تمتثل اليه باقي الأندية الأوروبية واولهم ريال مدريد الذي إن أراد أن يبدأ مشروعه والسير على هذا النهج بالمساواة فعليه ان يُنشئ فريق سيدات أولاً.  


"عندما يتواصل معك ليون لا يُمكن أن ترفض الطلب"، تشرح المدافعة الانجليزية لوسي برونز ما حصل معها قبل انتقالها الى صفوف النادي الفرنسي، "عندما لعبت ضدهُنّ قلت في نفسي ما يجري اليوم هو مستوى آخر، لم نستطع لمس الكرة، الملعب كان خيالي والمدرجات ممتلئة على آخرها، أذكر عند وصولي الى النادي والتوقيع شعرت برهبة من اللاعبات الأخريات، كنت أسمع بهنّ فقط، والآن انا جزء من مجموعتهن". 

الفارق بتجربة الغالاكتيكوس 

إن نظرت الى تشكيلة نادي ليون النسائي ستجد بعض من العمود الفقري للمنتخبات التي ستُشارك في كأس العالم المقبلة للنساء في فرنسا: جينيفير موروزان (قائدة منتخب ألمانيا)، ساكي كوماغاي (قائدة منتخب اليابان)، بالاضافة الى آغا هيغيربيرغ ولويزا نيكيب، كاميل آبيلي.

فليون هو الفريق الوحيد الذي يستطيع أن يضم قائدتان لمنتخبات دولية، أفضل لاعبة في فرنسا اوجينيه لو سومير، والأسطورة الويلزية جيس فيشلوك.  

المجموعة ككُل هي عبارة عن "نجمات صف أول" أو كما يُعرف في المصطلحات الكروية "غالاكتيكوس"، وهي تجربة لم تنجح كثيراً لدى الرجال، وفي الذاكرة الطرية ما زالت تجربة ريال مدريد في الأذهان، ربما لأن نساء الكرة نظراً لظروفهن وما يجب عليهن خضوه لإثبات ذاتهم في عالم الكرة يفرض عليهن ان يتخليّن عن "الأنا" التي تُفشل تجربة الغالاكتيكوس عامّةً. 

بالإضافة الى كون النادي بات بمثابة حلم للاعبات من مختلف الدوريات الأخرى، في أوروبا وخارجها، بسبب ما يُقدمه هذا النادي للاعباته، الأمر الذي تحدّث عانه وكيل أعمال النجمة الأميركية آليكس مورغن، التي وصلت الى ليون "نجمة أولى" لكنها "أرادت ان تتطور في صرح يمكنه ان يضيف لها الكثير وان يُطوّر من مهاراتها". 

هكذا يُنظر الى سيدات ليون ورؤية النادي لهذا المشروع. 

سر التفوق ووصفة التعاقد مع اللاعبات  

كيف وصل ليون الى هذه المكانة؟ السر بإسم واحد: جان ميشيل اولاس، مؤسس مالك ورئيس نادي ليون، الذي قرر إنشاء فريق سيدات عام 2004 على ان يكون هذا الفريق بأهمية فريق الرجال المنافس في الدوري الفرنسي، فاستثمر في هذا النادي وطلب ان تتم معاملة سيداته نفس معاملة فريق الرجال: يُفتح لهم الملعب الرئيسي للتمرين، يستخدمون المنشآت نفسها بالاضافة الى طاقم طبي وتأهيلي من الصف الأول، يُسافرن بطائرات خاصة حتى أصبح سيدات ليون وفريقهن أهم شاناً لناحية الصيت حالياً والألقاب من فريق الرجال الذي يقع تحت رحمة منافسة العملاق باريس سان جيرمان. 

يلجأ اولاس الى سياسة واضحة في التعاقدات: كل سوق انتقالات صيفي يلجأ الناجي الى البحث عن المواهب الشابة واللاعبات ذوات "الشخصية القيادية"، يتعاقدون مع الأفضل ويؤمّنون ما هو أفضل لهُنَ لناحية الأجور والتعامل ويبقون على اللاعبات في وقت الذروة من عطاءاتهن. 

هذا ما أكسبهن التفوق، ولتستطيعوا تخيّل حجم التفوق لهذا النادي عليكم فقط التفكير بأن كرة القدم النسائية في انجلترا دخلت عالم الاحتراف في 2010، في اسبانيا أحد أعمدة الكرة لا يملك حتى فريقاً نسائياً وحميع هذه الأمثلة التي ذكرناها لا يمكنها أن تُنافس ليون وما زالت لم تستثمر جيداً في فريقها النسائي ولم تُقدّم له فرصة المساواة مع فريق الرجال. 

إقرأ/ي ايضاً: خارج الصندوق: العنصرية تبحث عن "صلاحها"

ليون هو مثال حيّ على ما يُمكن أن تُقدمه النساء في حال أعطينَ الفرصة السليمة، الاستثمار الصحيح والثقة بقدراتهنّ، سيدات ليون مثال حي على سوق بدأ يتحرّك بأكمله كي يواكب فريق ممكن ان يُشكل عبرة ليس فقط لأجيال بأكملها بل لمؤسسات ضخمة بحجم إتحادات كرة قدم وأندية على غرار ريال مدريد الذي بات لزاما عليه ان يواكب الحدث ولبرشلونة الذي بدأ يسعى قدر المستطاع لجذب اللاعبات العالميات وتطوير منشآته والسير على طريق الفريق الذي أخرجه من الأبطال.  


شكراً جان ميشيل اولاس. شكراً ليون.

 

شارك غرد شارك

في هذا المقال