آراء

ريال مدريد لوبيتيجي.. وبلاهة المفاجأة من شيءٍ مات تكراراً

ريال مدريد ولوبيتيجي.. بطل جديد للفيلم ذاته والجماهير لا زالت لا تعلم أيضاً أو تمثل بدورها أنها لا تعلم لماذا

21 ديسمبر 2018

"مرحلة جديدة" هو ليس عنوانًا لأن مدربًا جديدًا أتى خلفًا لزيدان، هي مرحلة لم يعتدها ريال مدريد في هذه الألفية، كرة قدم هجومية بحتة مع فكر شبيه لما قامت عليه مرحلة سطوة الغريم، ريال مدريد فاز وخسر وحقق بطولات وتعثر في أخرى ولكنه لم يلعب هذه الكرة من قبل أمام عيون جماهير الحاضر، لذا فالأمر يبدو مشوقًا كقصة سينيمائية جديدة من نوعها يتأهب الجمهور لمعرفة كيف ستكتب نهايتها.



اقرأ أيضًا: تكتيك لوبيتيجي.. ولأنها بالعقل والقلب معًا أفضل




هو اقتباسٌ من مقال سابق بعنوان "تكتيك لوبيتيجي... ولأنها بالقلب والعقل معًا أفضل" تفاءلت فيه بخصوص الموسم الحالي لريال مدريد، وبنيت تفاؤلي هذا على عدة مقومات وأسباب ذكرتها في المقال ذاته، كان لا بد من ذكر ذلك أولًا للتنويه أن ذلك حدث قبل بداية الموسم، وأنني لا أقرأ المستقبل، ولا أحد يستطيع ذلك. 


الأزمة هنا لا يمكن أن تدور حول كلمة واحدة، وإن كان الجميع يحب ذلك، وإن كان كثيرون يحبون ذلك في هذا الوضع بالتحديد خاصة مع رحيل أسماء ككريستيانو رونالدو وزين الدين زيدان، التباكي على الماضي يبدو جميلًا، والتغني بكلمات مقصدها الوحيد هو إلصاق الأزمة برحيل من رحلوا يبدوا أكثر سهولة وجمالًا، في حالات كتلك تسقط التفاصيل، بل أنها تُسقط عن عمد أحيانًا، ذلك لأنها في حال ذُكرت فإن منطق إلصاق هذا بذاك سيسقط تمامًا، وللأسف هناك فئة ما لا تحبه أن يسقط، عفوًا، بل أنها لا تحب المنطق من الأساس. 


بدأ موسم ريال مدريد بفترة تحضيرات إيجابية بدا فيها الفريق أكثر تحررًا، وبدت فيها عناصر ريال مدريد وكأنها تلعب مع لوبيتيجي منذ عشر سنوات، فيما عدا مباراة مانشستر يونايتد الأولى لم يسجل ريال مدريد أقل من 3 أهداف في المباراة، وكان أقل عدد من محاولاته على المرمى 19 محاولة في اللقاء الواحد، ولم يكن يجد أية صعوبة في الوصول إلى مرمى خصمه واختراق دفاعاته بعدد قصير أو كبير من التمريرات، انتهت التحضيرات وبدأ الموسم بسقوط أمام الجار أتليتيكو في السوبر الأوروبي فضح بعضًا من المشكلات الخفية، بدأ الدوري ولمع بيل وبنزيما وأسينسيو والجميع في المباريات الأولى، سارت الأمور بالشكل المثالي وفقًا لما نعرفه عن لوبيتيجي، وبالاستنباط المنطقي فإن الأمور ستزيد انسجامًا وجودة بمرور الوقت نظرًا لأنه لم يجد أي من اللاعبين أي صعوبة في التعامل مع طريقة اللعب الجديدة منذ البداية. 



بالعودة إلى ما حدث في ديربي السوبر الأوروبي نجد أن ريال مدريد لم يكن سيئًا كليًا، أتليتيكو مدريد فقط امتلك الكرة في المساحات المتواجدة بين الخطوط، ولم يجد صعوبة في اختراق دفاعات ريال مدريد التي لا تجد تأمينًا من الأمام، لأول مرة يمتلك ريال مدريد الكرة أغلب المباراة، ولأول مرة يًطالَبون بالاستحواذ قبل أي شيء، وفي حال امتلاكك للكرة فإنه غالبًا سيتواجد كل مدوّري الكرة لديك في وسط ملعب الخصم، وفي حال حدث ذلك مع دفاع هش استند فقط على المساندة والقدر واجتماع الظروف الكونية كلها لصحالك فإن كل مشكلة مهما بلغت تفاهتها في الخط الخلفي ستبدو كالكارثة.


أزمة لوبيتيجي 


بلا شك أن المدرب سبب في الأزمة، وإن كان تحميلها كاملة له مرفوضًا فهذا لا يعني إعفاءه الكامل منها، خولين لوبيتيجي أحد أبناء المدرسة الإسبانية التي تقدس الاستحواذ والتحكم في الكرة كوسيلة للتحكم في المباراة، فقط مع خولين يتوقف الأمر عند الاستحواذ والفوز بمعركة وسط الملعب فقط، ليسا كوسيلة للوصول إلى المرمى، وليسا كوسيلة أصلًا وإنما كغاية، فإذا كنت من محبي هذا الأسلوب أو من كارهيه في المطلق، عليك أن تعرف أولًا أن الرجل يفعل شيئًا لم يقم به ريال مدريد في تاريخه الحديث حتى تدرك أن الأمر ليس سهلًا. 


الاستحواذ لا يجلب البطولات، منطق جاء من التسطيح الجماهيري لكل شيء والذي يقسم الأمور كلها في كفتين، التسطيح الذي خلق تعارضًا بين كرة القدم الجميلة والبطولات، وبينها وبين الحسم، وبينها وبين أي شيء، كان لا بد له من أن يخلق تعارضًا بين الاستحواذ واللعب المباشر، وكأن من يمتلك الكرة يمتلكها فقط لكي يمتلكها، وكأن المدربين الهجوميين جميعًا يتركون الكرة للخصم لكي يلعبون لعبًا مباشرًا، جميعهم يمتلكون الكرة ولكن ربما الفارق الوحيد بينهم وبين لوبيتيجي أنهم يضعون تصورًا لمرحلة ما بعد امتلاك الكرة، لا يكتفون فقط بامتلاكها. 



المشكلة الثانية أن أسلوب لعب الرجل لا يتماشى مع بعض العناصر الموجودة وإن كانت تمتلك المؤهلات لذلك، كروس ومودريتش أمام كاسيميرو خلف إيسكو وأسينسيو هي تركيبة جدية جدًا لتدوير الكرة سريعًا، ولكن بالنظر إليهم فوق أرض الملعب فإنهم لا يدورون الكرة، والجميع يفضل الاحتفاظ بها لسبب لا يعلمه إلا هم، لا يعودون للمساندة الدفاعية لنفس الأسباب، ولا يتمركزون بما يضمن تقارب الخطوط أيضًا لنفس الأسباب، كل هذا خارج عن المدرب لأنها قرارت فردية، ولكن حين نراها تتكرر دون تدخل منه فهو ملام مثلهم تمامًا، وعندما تجده يأخذ قرارت باستبعاد من يبالغون في الفردية فإنه غير ملام، أما في حال أنه رغم كل ذلك يفشل في إيجاد حل أو تغيير لذلك فهو ملام، لوبيتيجي خليط بين هذا وذاك، فهو كما أسلفنا لا يمكن تحميله كامل المسؤولية ولا يمكن أيضًا إعفاءه من كاملها. 


المشكلة الأخرى أن محاولة الاستحواذ واللعب بدفاع متقدم تتطلب شيئًا من اثنين، إما أن يكون هذا الدفاع المتقدم صلبًا بالدرجة التي تجعله يتحمل غياب المساندة، وإما يكون الخط الأمامي فتاكًا بدرجة تجعل الخصم فاشلًا في الخروج من مناطقه ناهيك عن الوصول إلى مناطق الخصم بأكبر عدد من اللاعبين، أما أن تلعب بهذه الطريقة بدون هذا أو ذاك فإن توقع النجاح من خلف هذا يكون غريبًا  لأنه ليس مبنيًا على أية أسس ترجح نجاحه.


ما يتحمله اللاعبون ولا يتحمله لوبيتيجي 


التكرار ممل ولكن ليس دائمًا، الحديث عن حالة التشبع وغياب الدافع بعد بطولتين لدوري الأبطال في ثلاث سنوات كان منطقيًا، ومع بطولة دوري أبطال أخرى صار أكثر منطقية، ومع بطولة رابعة في خمس سنوات أصبح هو المنطق في حد ذاته، في السنوات الأخيرة لم يفز ريال مدريد بالتكتيك بقدر ما فاز بالإرادة والبحث عن الفوز بشيء ما، وبالتالي فإنه حين تغيب هذه الإرادة فإن ريال مدريد هنا يفقد أهم أسلحته مهما حاول الجميع إثبات عكس ذلك أو إلصاق الأمر بأسباب أخرى وهمية. 


طريقة اللعب هنا ليست هي المتهم الأول، زيدان في ثلثي مسيرته لم يمتلك طريقة لعب أصلًا لكي يطبقها الفريق أو يخالفها، ولكن الرغبة مع جودة اللاعبين كانتا كافيتين من أجل تحقيق الفوز في أهم الأوقات، أما الآن فلا رغبة ولا إرادة لأنه لا تجديد في الطموح ولا تجديد في الأسماء ولا تجديد في أي شيء، حتى مع تغيير المدربين المستمر كل موسمين تقريبًا الحالة نفسها لا تتغير، فقط حين لم تتغير سوى في لحظة تعيين زيدان لأنه دب الحماس بحالة جديدة، وحتى حالة زيدان نفسها حين أصبحت روتينية فقدت فاعليتها واحتاجت إلى التغيير. 



زيدان ورونالدو؟ 


الشيء الأسهل، الأكثر بديهية، الأكثر عاطفية، الأكثر في كل شيء بالنسبة للمشجعين، غاب ريال مدريد عن الفوز وتسجيل الأهداف لأن زين الدين زيدان الذي عرف سر الخلطة التي تؤدي إلى الفوز، والتي كانت بدورها أيضًا تتضمن الأخطاء التحكيمية وأخطاء المنافسين وهدايا كاريوس وأولرايتش وسوء حظ ريبيري وخاميس ورعونة ليفاندوفيسكي وتهور بنعطية واستعراض نيمار، بالتأكيد كل هذه العوامل التي أنقذت موسم ريال مدريد من الكارثية إلى دوري أبطال أوروبا، والتي لولا واحدة فقط منها لكان موسم 2018 وصمة عار حقيقة في تاريخ ريال مدريد الحديث. 



هذا عن المدرب، أما غياب الأهداف فبالطبع سيلصق برحيل هداف الفريق طوال السنوات التسع الماضية، الأمر في ظاهره منطقي، منطقي فقط لأن التفاصيل تُنسى وتسقط تمامًا كما سقطت مع زيدان الذي تحول بطلًا في موسم اعترف هو نفسه بكارثيته وصدق عليها بالاستقالة، بالتأكيد لن يتذكر أحد أن انطلاقة موسم رونالدو الماضي وما قبله كانت أسوء من ما يمر به بيل وبنزيما أنفسهم، ولا أحد سيذكر أيضًا أن مواسم رونالدو الأخيرة كانت تنقذ فقط بالظهور في النهايات التي تغطي على ما حدث في البداية، ولا أحد سيذكر أن رونالدو كان أكثر لاعبي أوروبا إهدارًا للفرص في موسم 2018 على مستوى الدوريات الخمس الكبرى ودوري أبطال أوروبا، ولا أحد سيذكر أن ريال مدريد لا يصل للمرمى أصلًا ولا يصنع الفرص حتى نتحدث عن غياب مترجمها، وأنها حين صنعت في بدايات الموسم سجل بيل وسجل بنزيما وسجل ماريانو وسجل الجميع، ولكن الشيء الأسهل والأكثر عاطفية والأكثر اقترابًا من المنطق الكاذب هو رحيل رونالدو. 



مهلًا، الجميع يتحدث عن حالة جديدة يمر بها ريال مدريد، الجميع ينسى أن هذا هو الموسم الخامس من أصل ستة مواسم يبدأها ريال مدريد بهذا العجز وهذه الرعونة ونسخة مطابقة من نفس هذه الحالة في الأشهر الأولى، منها أربعة مواسم فاز فيها ريال مدريد بدوري أبطال أوروبا وواحد خرج فيه بموسم صفري مع مورينيو في 2013، فكانت النتيجة أن أقيل مورينيو الذي وصف بالفشل وتم إبراز المواسم الاربعة الأخرى كعناوين للنجاح، فقط لأن موسمين منهم تم تصحيح المسار خلالهما في النهايات فعلا كما حدث في 2014 و 2017، وموسمين آخرين اختارت الظروف فيهما الابتسام لريال مدريد لا أكثر. 



التغيير فقط في أسلوب اللعب ربما، في اسم المدرب، في رحيل بعض الأسماء والإتيان بأخرى، في عدد بطولات دوري الأبطال التي تمتلكها، في الأهداف المرجوة من نهاية الموسم جماهيريًا، ولكن الحالة واحدة مهما تغيرت هذه التفاصيل عامًا بعد عام، في ريال مدريد لا يعرفون ماذا يريدون، الجماهير تقول أن لوبيتيجي لا يلعب كرتنا، مهلًا، وهل لريال مدريد كرة في الأساس؟


هل صدق أحدهم أنه كونك تفوز بدوري الأبطال كل عام فهذا يعني أنك تمتلك فلسفة خاصة؟ ريال مدريد لعب مع 7 مدربين في أقل من 10 سنوات بأكثر من سبعة طرق، نعم المدرب الواحد كان يغير من طريقته كليًا خلال فترته مع ريال مدريد، الفريق ظهر بلا هوية بعد مورينيو كما كان قبله، لا تجعل الأرقام تخدعك فنحن في عصر التكنولوجيا، متى استطعت كمشاهد تحديد طريقة لعب لريال مدريد؟ متى كانت آخر مرة سمح فيها المنطق بهذا من الأساس؟ المسألة ليست في أي شيء بقدر أن الجميع في مدريد لا يعلمون ماذا يريدون حقًا، فإذا كان الجميع يرضى بأي نهاية سعيدة بغض النظر عن التفاصيل فلينتظروا نهاية الموسم قبل أن يطلقوا الأحكام، وإن كانوا يقتنعون أن ما حدث في السنوات الأخيرة كان هراءً فليطالبوا بنسف هذه المنظومة من جذورها، ولكي يختاروا بين هذا وذاك عليهم أولًا أن يحددوا ما يريدوه، لأن ذلك سيكون أسهل لهم ولنا وللجميع في تحديد سبب الأزمة التي سيمر بها ريال مدريد كالعادة في بدايات الموسم القادم، يومها سنجتمع من جديد لنكرر كلماتنا المعتادة عن الشبع والشخصية الغائبة والعقم والعشوائية وما إلى ذلك، وبالطبع سيتفاجأ البعض كما يفعلون كل عام. 

صلاح "الغطاس".. قصة الخبث الكبرى
تشافي يلفت أنظار مسؤولي برشلونة الى ظهير بايرن ميونيخ
سوريا ورحلة السقوط الآسيوي الذي بدأ قبل 11 عاماً!
شارك غرد بريد

في هذا المقال