كرة وباستا: رحلة كارلو أنشيلوتي من الإيمان إلى الشك!

كرة وباستا
أحمد عرفات

نحن بصدد الحديث عن مدرب فاز بواحد وعشرين لقبا، وتوج بدوري أبطال أوروبا ثلاث مرات، ونجح في الفوز بالدوري الإيطالي والفرنسي والألماني والإنجليزي، ومع ذلك فإن الشك يحيط به بعد أكثر من عشرين عاما على عمله كمدرب من المستوى الأول!

بدأت شهرة أنشيلوتي كمدرب إبان قيادته بارما، وخاصة عام 1996 حين كاد يفوز بالاسكوديتو لولا أنه تخلف بثلاث نقاط فقط عن يوفنتوس الذي تعاقد معه لخلافة مارتشيللو ليبي عام 1999 رغبة في الفوز بدوري أبطال أوروبا بعد أن خسروا نهائيين على التوالي 1997، و1998 أمام بوروسيا دورتموند وريال مدريد تواليا، ولذا فإن خطوة استبدال أنشيلوتي بـ"ليبي" كان يراد منها الوصول إلى اللقب الأوروبي مدعمًا بتشكيلة مدججة بالنجوم، لكن ما حدث كان صادما، فخسر الدوري مرتين على التوالي وبسيناريوهين لن يغيبا عن الذاكرة أبدا، خاصة أمام لاتسيو موسم 1999-2000 بعد أن كان البيانكونيري متصدرا بفارق 9 نقاط كاملة عن البيانكوشيلستي قبل 9 جولات فقط من خط النهاية.


أنشيلوتي في مباراة يوفنتوس وبيروجيا الشهيرة حين خسر 0-1 في الجولة الأخيرة موسم 1999-2000 ليفوز لاتسيو بالاسكوديتو



الضربة التي لا تقتلك... 

تجربته الأكثر فشلا في يوفنتوس لم ينسها الأستاذ أبدا، بعد أكثر من عشر سنوات يتحدث قائلا: "لم أحب يوفنتوس أبدا، حين كنت لاعبا في روما كنت أكرههم، وحين دربتهم شعرت بأنني غريب وسطهم، لا أعتبرهم سوى أعداء".

بعد رحيله عن يوفي حقق كارلو كل الألقاب الممكنة، مع ريال مدريد فاز بدوري الأبطال بعد أن فشل عشرة مدربين هناك على تحقيقه، ومع ميلان فاز مرتين باللقب الأوروبي وخسر النهائي أمام ليفربول في مباراة استثنائية 2005، بالإضافة إلى فوزه بالدوري الإنجليزي الممتاز، وبالدوري الألماني والفرنسي والإيطالي وألقاب أخرى أقل أهمية على غرار السوبر الاوروبي.




اقرأ أيضًا: دي زيربي.. دواء إيطالي آمن للتخلص من جروح مورينيو!



الحرباء الطيبة 



أنشيلوتي "حرباء تكتيكي" لديه القدرة على التكيف مع أي شكل، يمكنه أن يتسلم فريقا من جوزيه مورينيو فيصبح ريال مدريد أسرع الفرق في التحول من الدفاع إلى الهجوم، أو يخلف بيب غوارديولا فيظل البافاري متمسكا بفلسفة الاستحواذ مع بعض الواقعية الطليانية.

يُمعن كارلو النظر في طريقة لعب الفريق الذي يدربه، ويضيف لمسته لإنتاج أكثر فاعلية، ففي ميلان يتحول أندريا بيرلو من "صانع ألعاب عادي" إلى "ريجيستا" مبدع ليصبح واحدا من أهم لاعبي إيطاليا عبر التاريخ، وفي ريال مدريد يبدع أنخيل دي ماريا كلاعب وسط رغم أنه يمتلك مواصفات الجناح، ويصبح أهم أوراق المدرب في التتويج بدوري الأبطال 2013-2014.


وضربة أخرى يمكن أن تفقدك اتزانك! 

غير أن أسوأ قرار اتخذه أنشيلوتي كان العمل في ألمانيا، هناك حيث يسيطر هاجس الفوز بدوري الأبطال على عقل إدارة بايرن ميونيخ، لم ينجح غوارديولا في تحقيق اللقب لكنه وصل إلى نصف النهائي وحين قدم الخبير الإيطالي -والذي كان أكثر من فاز باللقب حينها- مرَّ بتجربة مريرة فأقصي من ريال مدريد وسط غيابات مهمة وفي مباراتين شهدتا جدلا تحكيميا كبيرا، ثم انتهى به المطاف مُقالاً وسط انتقادات من أعمدة الفريق ليشعر الرجل المحبوب عادة بطعنة لن ينساها أبدا خاصة أن "تآمر" ريبيري وروبين وعدد آخر من الفريق بدا واضحًا بالنسبة له على الأقل حتى ولو لم يصرح بذلك.


كيف أداوي جراحي؟! 



تركت تجربة بايرن جرحا غائرا في نفس أنشيلوتي، ولتطيب آلام قلبه قرر العودة إلى حيث لن يلقى سوى الاحترام، أي في بلده الأم إيطاليا بعد تسع سنوات كاملة من الترحال، وفي ظل وجود أليغري في يوفنتوس وتمسكه بالبقاء، والإنجاز الذي تحقق لروما في دوري الأبطال على يد الشاب أوزيبيو دي فرانشيسكو، وعدم وضوح الرؤية بالنسبة إلى ميلان مع رغبة كارلو في الحفاظ على صورته هناك دون تلطيخها، ولتمديد عقد المدرب لوتشيانو سباليتي مع إنتر، وسوء التنظيم والضبابية لدى الاتحاد الإيطالي بعد حقبة كارلو تافيكيو وجيبامبيرو فينتورا الكارثية، بدا أن نابولي هي الوجهة الأنسب خاصة أنه سيتسلم فريقا تشرب أفكار ماوريسيو ساري لكنه لم يفز بأي لقب، وهي نقطة إيجابية لصالح أنشيلوتي فالفوز هنا يعني أنه سيصبح بطلا تاريخيا، بينما الخسارة لن يكون وقعها كما حدث قبل عشرين سنة مع يوفنتوس.


خطأ وحيد.. السيارة فقدت المُحرك! 

كل شيء جاهز ليستعيد أنشيلوتي ثقته بنفسه لولا خطأ وحيد أخشى أن يُفشل التجربة ويزيد الشك فيه أكثر، فحين رحل ماوريسيو ساري إلى تشيلسي أتم اتفاقا مع الرئيس دي لاورنتيس بعدم محاولة التعاقد سوى مع لاعب واحد وللأسف فهذا اللاعب الواحد هو قلب الفريق وأساس عمله، الإيطالي البرازيلي جورجينيو الذي كان أكثر ممرر كرات في الكالتشيو بالسنوات الثلاث الماضية، وهو أشبه بمدرب على أرضية الميدان وأحد أهم لاعبي العالم بالنسبة لمن يفضل الاستحواذ على الكرة كما هو أسلوب نابولي ساري.


مع هذه المعضلة حاول أنشيلوتي اللجوء إلى لمسته المعتادة، فأعاد القائد ماريك هامسيك لمركز صانع الألعاب المتأخر لكنه لم ينجح في تأدية أدوار جورجينو حتى الآن، والشيء نفسه ينطبق على الوافد الجديد فابيان رويز، ليضطر أنشيلوتي إلى تغيير الرسم من 4-3-3 إلى 4-2-3-1 بالاعتماد على هامسيك وروغ في مركز 6، وإنسيني كلاعب رقم 10 وجناحين هما كاليخون وفيردي تحت رأس حربة وحيد كما فعل في مباراة تورينو التي انتهت بثلاثية لأبناء الجنوب، ثم عاد إلى 4-4-2 في مباراتي بارما ويوفنتوس محاولا تنويع مصادر الخطورة والتركيز على الأطراف أكثر لتيقنه من عدم جدوى استبدال جورجينو بلاعب آخر.


أخيرًا.. يظل أنشيلوتي واحدا من أعظم مدربي كرة القدم الإيطالية -على الأقل من ناحية الإنجازات- نجاحاته لا تضاهى، كان الكل يؤمن بأن التعاقد معه يعني الفوز بدوري الأبطال، لكنه تراجع.. الآن يمكن إذا لم يجد الحل لرحيل جورجينو أن تنتهي مسيرته كمدرب من الطراز الأول.

 هذه رحلة كارلو.. رحلة طويلة شيقة، بدأت بشكوك صغيرة ثم إيمان عميق بقدراته، ونحن –على ما يبدو- في طرق العودة!


 

شارك غرد شارك

في هذا المقال