كريستيانو رونالدو.. ولأن آفة حارتنا المغالطات

فن المغالطة هو أكثر الفنون إتقانًا لدى جماهير كرة القدم، وهو الذي يتم استخدامه وتطويعه من أجل توجيه الآراء في اتجاه الأهواء التي تحل محل المنطق بدورها، وإذا تعلق الأمر بكرستيانو رونالدو وأمثاله ممن يقعون في نطاق الأبيض والأسود ولا تعرف الجماهير اللون الرمادي في التعامل معهم، فإن المغالطات تزداد لتصل إلى حدٍ أبعد من أن يوصف حتى بالهراء، تخيل أن تحاول إظهار رونالدو بصورة ملائكية أو تحاول إثبات أنه من أسوء لاعبي كرة القدم على الإطلاق، تخيل فقط كم المغالطات الذي ستستخدمه من أجل إثبات أحد الخيارين.

وفي حال قررت إصدار الأحكام من عقلك لا من مكان آخر ــ القلب مثلًا ــ فإن النتيجة المنطقية التي من الممكن الوصول إليها هي أن رونالدو ليس ملاكًا، وفي نفس الوقت أنه من أفضل من لمسوا الكرة على الإطلاق وفي هذه الحالة ستصطدم بالطرفين لأنك لم تتطرف مثلهم، هؤلاء الذين يصدرون أحكامهم من أماكن أخرى غير العقل، وسبق أن ذكرنا أنها القلوب بالمناسبة.


إقرأ أيضًا: عاطفيون أكثر مما ينبغي.. عن الانتماء وأوهامه



المغالطة الأولى؛ تضحية كرستيانو بالمجد من أجل مدريد

هُناك ظاهرة منتشرة في الأوساط المؤيدة لرونالدو تقول أنه في عام 2009 ترك المجد مع مانشستر وقرر ارتداء قميص ريال مدريد لأنه يعشق هذا الكيان ومستعد للتضحية بكل شيء من أجله؛ أعتذر أولًا عن السرد بهذا الشكل المبالغ فيه ولكنه يُقال هكذا بالحرف.

مبدئيًا كل شيء في ظاهره صحيح؛ بمعنى انني في حال قلت لك أن رونالدو أفضل من ميسي لأنه حاسم وحقق ألقاب أكثر فإن الأمر يبدو منطقيًا، وفي حال قلت لك أن ميسي أفضل لأنه يقوم بأدوار أكثر تساعد الفريق فإنه يبدو بنفس المنطقية، قياسًا على ذلك فإن أي من الأشياء التي تُقال دون تفصيل يمكن اعتبارها منطقية، التفنيد الوحيد لها يكون بتفصيلها، وهو ما سيحدث في السطور القادمة.

انضم رونالدو إلى ريال مدريد في 2009، وهو نفس عام تولي فلورنتينو بيريز رئاسة ريال مدريد للولاية الثانية، الولاية قبل الولاية الأولى التي كانت عام 2001 اتصل بيريز بلوتشيانو مودجي من أجل التفاوض مع زيدان، أو بالأحرى من أجل إدراج اسم زيدان في حملته الانتخابية بالحصول على وعد من مودجي بأنه سيسمح له بالانتقال إلى ريال مدريد بنهاية الموسم، وهو ما عزز من شعبية بيريز في هذا الوقت ومهد له طريق الرئاسة بالفعل بمباركة زيدان مع باقي جيل الجالاكتيكوس رونالدو دا ليما وفيجو وأوين وبيكهام والبقية.

عام 2009 كرر بيريز نفس الأمر مع رونالدو وكاكا وبنزيما وألونسو، بوجود رونالدو في ثوب زيدان كأفضل واجهة من الممكن أن تمهد طريق الرئاسة من جديد بعد حقبة من التخبطات عاشها ريال مدريد في ولاية الرئيس رامون كالديرون، صحيح أن وضعية ريال مدريد عام 2001 كانت أفضل كثيرًا منها في 2009، ولكن الحديث هنا موجه لما بعد ذلك، تشابه المشروع الذي كان من المفترض أن يحمل تشابهًا في النتائجج بضم أفضل لاعبي العالم ومن ثم أفضل مدرب في العالم وقتها جوزيه مورينيو، المستقبل كان يوحي أنه لريال مدريد والدعم المادي والإعلامي والجماهيري الذي ستحصل عليه كلاعب في ريال مدريد لا يُقارن بما هو خارجه، روبين ترك تشيلسي في أفضل حالاته من أجل ريال مدريد المتخبط حينها وكذلك فعل فان نيستلروي مع مانشستر يونايتد، ريال مدريد جذاب في جميع أحواله، فما بالك قبيل مشروع ضخم كذلك الذي قدمه بيريز في 2009، وأن يسمح لك ذلك بمنافسة ميسي وجهًا لوجه في إسبانيا، أعطني مغريات أكثر من تلك حتى نتفق سويًا أن رونالدو ترك مجدًا من أجل تجربة محفوفة بالمخاطر كما يدعى البعض.


المغالطة الثانية؛ إهانة رونالدو نقطة في بحر إهانات ريال مدريد لأساطيره

كما طردوا راؤول وأهانوا كاسياس يستعدون لتكرار الفعل نفسه مع رونالدو، حسنًا كاسياس وراؤول تحولوا إلى بدلاء قبل الرحيل فهل يقبل رونالدو ذلك؟ نعم هو يفعل ذلك في مباريات الدوري غير المهمة ولكن لماذا؟ من أجل أن يكون جاهزًا للأوقات الحاسمة لأنه نجم الفريق، إذًا هو لازال محتفظًا بوضعه كنجم الفريق ولم يخسره لصالح لاعب آخر، إذًا الأمور مختلفة قليلًا، رونالدو لم تهمش ادواره بالجلوس بديلًا بل أنها تعززت ليصبح أكثر ظهورًا في الأوقات الحاسمة التي تحسم صراع الكرة الذهبية، على العكس تمامًا مع راؤول وكاسياس، اللذان بالمناسبة دفعا جزءً من الشرط الجزائي واستغنا عن بقية راتبهما من أجل الرحيل.

الثنائي أيضًا لم يُطالبا بضعف الراتب الحالي، لم يطلبا الرحيل أصلًا إلى حين أبلغهم النادي بضرورة ذلك، رونالدو أغلق الباب في وجه بيريز وجاء قراره على لسان خورخي مينديش بأنه لا يريد المزيد من المفاوضات لأنه حسم أمره بالرحيل، إذًا في حال كان هناك إهانة في الأمر فهي من رونالدو للناد وليس العكس.


المغالطة الثالثة؛ أليس من الجنون بيع أفضل لاعب في العالم؟!

لا ليس من الجنون إطلاقًا، صاحب الكرات الذهبية الخمس يقترب من عامه الرابع والثلاثين، يُجبرك على الاحتفاظ بشكل هجومي معين يمنع من التعاقد مع جناح جديد أو رأس حربة جديد، افتقد أغلب مميزاته بحكم السن ولاعيب في ذلك، ولكن ريال مدريد يحتاج هذه المميزات حاليًا والتي من الممكن أن يجدها في لاعب آخر، لا أحد كرونالدو ولكن بالتأكيد هناك من هم أفضل من النسخة الحالية لرونالدو، بيروتي كان أفضل من توتي بالنسبة لجماهير روما في تصويت الأفضل عام 2017، هل يعني ذلك أن بيروتي يمكن مقارنته بقدم توتي اليُسرى من الأساس؟!

 ريال مدريد يحتاج للتجديد أكثر من احتياجه لرونالدو، يحتاج لمن يقوم بأدوار رونالدو التي كان بمقدوره القيام بها منذ 5 سنوات مثلًا.

الأرقام خداعة، اعتادت أن تنصف رونالدو دومًا حتى في الأوقات التي لم يستحق فيها ذلك، بتقييم موسم رونالدو كاملًا فإنه أصبح يضيع أكثر مما يًسجل، يتم خدمته من قبل أسلوب اللعب أكثر مما يؤثر هو فيه، لا يوجد من يقترب من أرقامه لأنه لا يوجد مسجل اهداف ــ target man ــ غيره في الفريق، رونالدو حلوله تقتصر عند تسجيل الأهداف وهي مهمة ليست بتلك الصعوبة التي يتخيلها البعض في حال التعاقد مع مهاجم وجناح وتغيير أسلوب اللعب الذي يفرضه تواجد رونالدو، إذًا الجنون هو التفريط في فرصة بيع رونالدو في الوقت الحالي لأنها قد لا تأتي مستقبلًا، خاصة أنه يريد الرحيل كما أشرنا ولم يطرد كما تحب أن تقول الجماهير.

حالة بوفون مع يوفنتوس مشابهة كثيرًا، اللاعب يريد المواصلة ولكن وجوده في يوفنتوس يضر أكثر مما يفيد، هذا هو الواقع الذي ترفضه أيضًافئة أخرى من الجماهير التي تدلل بلقطات تاريخية يقوم بها جيجي وتغفل جميع أخطائه التي أصبح يقع فيها بحكم السن، خيار الرحيل كان الأمثل لكليهما والأمثل للفريقين أيضًا، حتى وإن رفضته عاطفة الجماهير.


المغالطة الرابعة؛ سأعتزل في مدريد!

هو تصريح قاله رونالدو عام 2016، بعد تجديد عقده الذي شهد ماراثون من المفاوضات ومن التلميحات بالرحيل، تلك التي حدثت من قبل في 2013 وفي 2015 وبعدها في 2017 وأخيرًا في 2018، التصريح كان محببًا للجماهير لذلك احتفظت به وغفلت عن كل ذلك، تخيل أن يقضي اللاعب 9 مواسم مع فريق منهم 5 أعلن فيهم أنه غير سعيد وغير راضٍ وغير مرتاح.

الجميع يعلم وقبلهم رونالدو نفسه أنه لن يعتزل في مدريد حتى ولو قال ذلك، رونالدو ليس من نوعية اللاعبين التي ستتعامل مع أواخر المسيرة كما فعل توتي مثلًا، رونالدو في حال استمر مع ريال مدريد وجهته لأمريكا او الصين كانت ستكون في السابعة والثلاثين من عمره مثلًا وهو ما سيحدث عقب تجربة يوفنتوس بالمناسبة في حال تمت الصفقة، أو في حال لم تتم وحصل رونالدو على مراده بالتجدد براتب خيالي.


بعيدًا عن المغالطات رونالدو أعطى الريال كثيرًا واستفاد منه كثيرًا أيضًا، رونالدو احترافي أكثر من كونه عاطفي، من الممكن اعتباره من أساطير كرة القدم في المطلق ولكن لا يمكن ربطه بنادٍ بعينه، يحب مانشستر ولكنه رحل ويحب مدريد ولكنه سيرحل وقد يقع في حب السيدة العجوز ثم يرحل إلى الصين أو أمريكا ليقع في حب من يقع في حبه هناك ويرحل أيضًا، رونالدو نفسه لا يعلم أين سيعتزل بالمناسبة.


في النهاية سنعود لنقطة البداية، ليس ملاكًا وليس من أسوء اللاعبين، رونالدو من أعظم من لمسوا الكرة حقيقة تفرض نفسها على الكل مهما حاولوا إثبات العكس، ولكن في نفس الوقت الحديث عن الوفاء والانتماء وحب الشعار مبالغٌ فيه قليلًا، والجمهور معذور في ذلك لأنها نغمة محببة دومًا للحديث عن اللاعب الذي تحبه، رونالدو أسطورة حان وقت رحيلها لمصلحة الجميع، كما حان وقت رحيل بوفون لمصلحة الجميع أيضًا، وإذا كان رحيل رونالدو إهانة فمن الممكن القول ان يوفنتوس اهان بوفون وبرشلونة أهان تشافي وتسمية كل الحالات المشابهة إهانة مع العلم أن جميعهم لم يتمردوا بالشكل الذي فعله رونالدو، يوم الرحيل كان يعلم الجميع أنه سيأتي لا محالة، ولكن المرعب في الأمر فقط أن الوقت قد مر بهذه السرعة، الدون الذي أتى إلى هنا مراهقًا يقترب من عامه الرابع والثلاثين، لأنه وصل منذ 9 أعوام كاملة، يا إلهي!


شارك غرد شارك

في هذا المقال