"مستبد" كرة القدم الحديثة

آراء
علي محمد اسيري

كانت كرة القدم لعبة للتسلية في بدايتها، لعبة حرة لا يحْكمها قانون ولا يضبطها نظام، فلا منطقة محددة للعب، ولا خطوط حدودية للميدان، والكرة تركض بلا توقف، تتأنى في الأزقة، وتركض في المروج، وتنطلق في البرية وكذلك حال من يركض خلفها. 

لعبة فيها حمل الكرة باليد جائز، وصفع الآخرين مبرر، وأن تكون بدينًا أمرٌ مستحسن؛ لأنه حينها يكون أفضل المجيدين ولا سبيل لأحد عليه، ولا قانون يدينه حين يمسك الكرة بيديه وينطح ويركل برأسه وقدميه كل من يعترض طريقه، ولربما لم يعترض عليه أحدٌ الطريق فمضى بغيًا يتناول من كان قد فسح المجال مسبقاً أمامه.



كان البدناء يعتقدون أنهم أفضل من يجيد اللعبة وأنهم يحسنونها بطريقتهم الهمجية تلك، فحنق عليهم الضعفاء، ولا شيء يثير حنق النحيل المُجيد كالبدين المتباهي، فما بالك وهو لا يجد اعتراضًا على فعله، أو نظامًا يحميه من جوره. 

ومن هذا الحنق أخذت كرة القدم المنحنى العنيف، فكانت فرصة لا تفوت لمن يطلب العنف، ولحظة مناسبة لمن يترقب الانتقام تحت أستار اللعبة، فلطالما بدأ اللعب وسرعان ما تحول إلى قتال وسرعان ما ينضح الدم من الجباه قبل العرَق.


إقرأ ايضاً: هازارد... لا تنتظروا منه شيئاً هذا الموسم!


لم تتحدد أيضًا مدة اللعب فمدة اللعب مفتوحة لا ينهيها الأذان كما يحدث في الشرق، بل تبقى مستمرة حتى يجد صاحب الروح العالية والعزيمة القوية نفسه وحيدًا في الملعب في الوقت الذي يتناول فيه الآخرون العشاء مع أمهاتهم، كما حدث مع حارس نادري تشارلتون الإنجليزي في مباراتهم مع تشيلسي في أحد أيام الميلاد عام 1937 حينما بقي وحيدًا في الملعب يحمي مرماه من الأشباح معتقدًا أن المباراة ما زالت مستمرة في حين أنها قد أُلغيت عند الدقيقة 60 والكل قد رحل وبقي في مرماه مترقبًا لعشرين دقيقة كاملة لم يرى فيها إلا الضباب وشرطي يصرخ به: ماذا تفعل هنا؟ اللعبة توقفت منذ ثلث ساعة.

ومن أجل هذه الفوضوية كان لزامًا أن تُسن القوانين، وتوضع الأنظمة التي تتالت إلى أن وصلت للرجل المقصود في موضوعنا والذي يدعوه الجميع بالمدرب. 



حسنة التدريب

دخول المدرب على كرة القدم كان دخول الأسلوب على الفوضوية، والمنطقية المبْصرة على الحماقة العمياء، والفكرة دعمًا للموهبة.

وكل هذا يبدو واضحًا في موقف الدفاع الإنجليزي من اللاعب المجري (هيدجوتي)، حينما رأى جوستاف سيبس مدرب هنغاريا وقتها أنه لا يستفيد بفاعلية من تواجده في الهجوم ناقلًا لاعبه إلى خط الوسط لإنشاء صانع ألعاب، والذي كان يرتدي الرقم 9 وزميلاه كوكسيس وبوشكاش في الأمام بالرقمين 8 و10.    

ظن الإنجليز أن (هيدجوتي) هو المهاجم المطالبين بمراقبته فكانوا يلاحقونه في وسط الملعب تاركين فضاءً ورائهم يستغله الفريق المجري الذي كان لاعبوه يُبدِّلون مواقعهم باستمرار مربكين بذلك الدفاع الإنجليزي الذين لو دافعوا كدفاع "الفرفيرة" لكان أجدى لهم وأنفع.


إقرأ ايضاً: ما هي حظوظ الأندية بالفوز بلقب دوري ابطال أوروبا؟


انتهت مباراة القرن بهزيمة قاسية لإنجلترا بستة أهداف لثلاثة وخرج (هيدجوتي) بالهاتريك.

تحدث روبسون عن تلك المباراة -مباراة القرن-: تلك المباراة وحدها غيرت تفكيرنا للأبد، ظننا أننا سنحطم هذا الفريق، إنجلترا وفي ويمبلي! نحن سادة، هم تلاميذ. لقد كان على العكس تمامًا.

أما الهنغاريون فأجمعوا على الثناء والتقدير لمعلمهم العجوز(جيمي هوجان) الذي كان حاضرًا في مدرجات تلك المباراة برفقة صغار (أستون فيلا) اصطحبهم معه فقال جوستاف سيبس: لقد لعبنا كرة القدم كما علّمَنا جيمي هوجان. 

وقال الصحفي الهنغاري (ساندرو ماركس): علمنا جيمي هوجان كل ما نعرفه عن كرة القدم. 



الإرتقاء للشهرة

عندما شاهد العالم المستوى الذي وصلت إليه هنغاريا بسبب أفكار رجل واحد تنسب له الفضل الأوفر في التأثير الذي حصل لكرتها، تنبّه العالم لما يمكن أن يُحدثه من تطور وإبداع ذلك الرجل الواقف عند خط التماس. 

بدأ العالم يُقدِّر عمله فمنحه صلاحيات أكبر، وبدأ يُنظر إليه باهتمام فارتدى لباسً أجمل، ويهتم بقناعاته فيفهم عنه ويُطبق. 

شيئًا فشيئًا تحولت بعض الأضواء من الملعب إلى كراسي الإحتياط لترصد العقل المدبر لعملية اللعب، وقد تُسَلّط عليه مرة عفْوًا بلا تكلف منه، وأخرى يتحمل من أجلها الشتائم، كما كان يتكلف (هيلينو هيرير) الدخول إلى الملعب قبل اللاعبين، فينهال عليه سباب الجماهير وصيحاتهم، وعند دخول لاعبيه للملعب تكون الجماهير منهكة ومتعبة من الاستهجان الذي شنته عليه، وذلك عملٌ نبيل لا يمكن إلا أن يُحسب له.



تقال مقولة: أن هيريرا أول من أتى بفكرة المدرب يصنع الفوز. 

وهي مقولة صحيحة واضحة إلا أن هنالك من بالغ فيها فرأى أن المدرب هو السبب الأول لفوز الفريق أو خسارته وتقدمه وتأخره،حتى ولو كان ذلك المدرب يدرّب صبية من المدرسة لا يتْبِعون من الأوامر إلا أوامر ضمائرهم، ولا من التعليمات إلا ما تمليه عليهم أهوائهم، وليت الكرة بقيت كذلك ولم يرتفع المدرب إلى مصاف اللاعبين فيحب مشاركتهم النجومية ويغفل عن حقيقة عمله ويضيعها. 

أخبر المدرب الأرجنتيني (دييغو سيميوني) عن الخطأ في ذلك الاعتقاد الذي بلغ في زمننا هذا ضِعف ماكان عليه في الستينات حين قال : في كثير من الأحيان منّا نحن المدربين من يحبون إثارة الإعجاب،أنا أعرف هذا الجزء لدى هؤلاء المدربين يبحثون عن الإعجاب، يحبون تعقيد الأمور من أجل الإستعراض أمام الناس، الواقع أن النجم هو اللاعب هو الذي يخوض المنافسات على أرض الواقع،اللاعبون هم الأساس، إذا رحلنا نحن المدربون هل سيرحلون معنا؟ النادي في كل الأحوال أهم من المدرب. 


سأقتل من لا يلعب بطريقتي

لم يؤثر في الماضي ارتقاء المدرب في الشهرة تأثيرًا يؤخذ عليه، لأن وجوده في الصورة مستحقًا نظيرًا لعمله وإنصافًا له، لكن مع مرور الزمن كان يكتسب شهرة تطغيه بلغت به الإستبداد في السنوات الأخيرة، فقال متجبرًا : "سأقتل من من لا يلعب بطريقتي." 

فرحّل من لا يعجبه من فريقه وإن كان موهوبًا، وجلب لفريقه من لا يرى فيه أحد ميزة سواه، ويُقرّب القريب وينفي الغريب، ويُضيّق على المبدع العنيد ويحتضن الطائع الودود، ويرى النادي الذي يُديره مملكةً له يختار هو شعبها ولا خيار للشعب إلا الطاعة. 

فجعل لفريقه أسلوبًا يدل عليه ويأخذ بأنامل الإعجاب والإستحسان إليه إن أحسن، وإذا أساء رد أيضًا بأنامله مشيرًا على اللاعبين بأن الإخفاق كان بسببهم لا بسببه، والعيب فيهم لا في أسلوبه. 



واشتغل كثيرًا بأسلوب اللعب الذي يراه لأنه السبيل الوحيد لإهتمام الأضواء به، ورأى آراء ليس له هدف من وراءها إلا تعزيز مكانته في الإعلام وحثهم على الإشادة به. 

فصار يهمش لاعبًا مميزًا تتوافق إمكاناته مع كل شيء إلا ما يريده هو منه، ويلوم حارس مرمى جيد لأنه لا يجيد اللعب بقدميه والبناء من الخلف، وينقد على لاعب الوسط القتالي ضعف جودته في التمرير، ويصرخ بلاعب الفنّيات لأنه يعد عرضه استهتارًا ومهارته استعراضًا لا فائدة منه. 

فأصبح لا يحتفل بهدف لا يدل للجماهير على إبداعه، ولا يرضا من الأهداف إلا ما سُجِّل على رسمه. 

فَلَو كان (إنزاغي) مهاجمًا في أيامنا هذه لما كان أحد هدّافي أبطال أوروبا، لأن مدربًا عنيدًا لا يفقه في كرة القدم شيئًا سيطلب منه أن يكون "مهاجمًا وهميًا" يشترك في اللعب ويترك منطقة الجزاء التي كان فيها (بيبو) هدَّافًا عظيمًا، وثعلبًا مكارا. 

ولو أن (جينارو جاتوزو) لاعبًا في هذه السنوات لكان الإستغناء عنه يسيرًا، لأن فلاسفة الأساليب لا ترى أهمية كبرى للروح والعزيمة التي كان يلعب بها في أيامه، ناسين أن كرة القدم منافسة لا نصر فيها من غيرعزيمة، ولا قتال بلا مقاتل. 



فلم يبقِ على التنوع المتعدد من لاعبي كرة القدم بل قلَّله، وعمد على كثير من اللاعبين فدفعهم إلى إنهاء مسيرتهم قبل أوانها، واقتص قميصًا واحدًا اختاره هو باللون الذي يحب والشكل الذي يشتهي فألبسه لجميع لاعبيه، وانحصرت الألوان في في لونٍ واحد، واجتمعت الأشكال على شكلٍ واحد. 

وبدون أن يشعر جرَّ ذلك المستبد على رفاق المهنة الضغط الإعلامي المرعب الذي يتحكم هو به بفضل شخصيته وبراعة تمثيله، ولا يتحكم به غيره ممن لا يحصلون على دعم الإعلام ولا يعرفون كيف يتسلحون بقوة تأثيره على آراء الجماهير،حتى وإن كانوا يتفوقون عليه من جميع النواحي الأخرى. 

فأصبحت المعادلة كالآتي "المدرب الإعلامي يجب أن يُعطى فرص أكثر عند الإخفاق، أما المدرب المغمور فيكفي الإعلام منه أن يرى ربطة عنقه مائلة فيستهجن عليه في الصحافة فيثور الجمهورعليه وتُلبي الإدراة،فيختفي قبل أن يظهر، ويصمت قبل أن يتكلم. 

ولم يضر بقوته أصدقاءه المدربين فقط، بل يعدو أيضًا على نفسه. 

فقد يبدأ المدرب بأسلوب يكون ناجحًا فترة من الزمن وجميع لاعبيه يطبقونه بالحرف الواحد، ولكن مع الوقت يبدأ النجاح في الإنحدار حتى يصبح في الحضيض بعد نجاح الأمس، وذلك لأنهم تعصَّبوا لخططهم وأساليبهم بالأمس وأهملوا الفوارق الطارئة على النادي الذي يديرونه مثل اللاعبين الجدد بالخصائص المختلفة عن من سبقهم، أو اختلاف طبيعة الأندية عندما يرحل لنادٍ جديد يتعامل معه بأسلوبه القديم المتزمت فيفشل، وذلك لأن النجاح في كرة القدم ليس على مقياس واحد ثابت،والمدرب الذي ينجح في كل مكان ومع كثير من اللاعبين ماهو إلا مدرب مرن يدفعه شغفه لتطويرلاعبيه وفهم إمكاناتهم ويوظفها التوظيف الذي يناسبها ويعطيها مساحة أكبر للإبداع ويُخرج كامل طاقاتها،وكذلك يتعامل مع التحديات الجديدة فيُفيد ويستفيد. 

أصابها الملل. 

تبعًا لهذا الإنحصار والتحديد، سئمت كرة القدم وكادت أن تغفو لولا وجود بعض المبدعين الذين مازالوا يلعبونها باستمتاع ويلونون بها حياة العالم ولا سلطان عليهم إلا سلطان المتعة والإمتاع. 

فأصبح لا يكاد يُرى فنان يبدع ويجعل الملعب مسرحًا لإبداعه، أو عبقريًا تُعبِّر عن عبقريته كراته، ولا ساحرًا يتخذ من طرف الملعب حيّزًا لسحره، ولا جريء يُطلق تسديداته، ولا مدافع يظهر قوته واستماتته جاعلًا من فريقه وطنه وجسده سلاحه. 

فكبَّلوا قدميّ المُسدد البارع بِأن عوّدوه على التمرير القصير، وأرادوا من العبقري ألا يبالغ في تفكيره ويعتمد على التمريرة القصيرة المضمونة فجمّدوا عقله، وقللوا من الفنان فازدرى فنّه، وقبّحوا فعل الساحر فترك سحره وأطاعهم. 


المدرب الحقيقي

يقف معلم حصة البدنية على جانب الملعب تمامًا كما يقف المدربون، ويراقب الصبية وهم يلعبون فيرى اللعبة الجميلة فتعجبه أشد الإعجاب فيصفق لها ويشيد بصاحبها، ويرى في أحدهم تقصيرًا فيسارع إلى تحسينه، والخوف في عيون بعضهم فيُشجعهم ويدعمهم، حتى العازف عن كرة القدم الذي لا تستهويه يقنعه بها ويحببها إليه وما إن يلعبها يفهم سر روعتها ويصبح عنده جنون المتيمين بها منطقيًا ومبررًا. 

ولا يعدو ذلك المدرب الحقيقي في شيء، الذي يحب كرة القدم فيسعى لخدمتها، ويستمتع بها فيحب أن يستمتع بها الآخرون. 

المدرب الحقيقي يرى أن خدمتها تكمن في تطوير اللاعبين، والتنقيب عن إمكاناتهم، وتمنية قدراتهم،وتذليل العقبات أمامهم. 

ويرى أن الاستمتاع بالكرة يكمن في إعطاء اللاعبين الحرية في إظهار مواهبهم، لأنه يعلم أنه لولا وجود هذه المواهب المعتقة من أسر التوجيهات الصارمة من بعض المدربين لكانت ملاعب الكرة قد ماتت مللًا. 

المدرب الحقيقي ليس عنده لاعب جيد ولاعب رديء، بل كلا اللاعبان لديهما إمكانية للتحسن معه والتطور تحت قيادته، وكل لاعب لديه ما يميزه وماهو مناسب له. 

المدرب الحقيقي يعلم مسبقًا بأن الكرة لا تثبت على شيء فلم يضف لها تفاصيل معقدة كثيرة وهو بعد ذلك لا يأمن تقلباتها وتغيراتها. 

المدرب الحقيقي الذي يستحق الإعجاب والإكبار هو من يطور اللاعبين فيخرج منهم عباقرة ورسّامين يملؤون مسارح كرة القدم بهجةً وسروراً. 


علي محمد اسيري


شارك غرد شارك